الأمواج المارقة: رعب المحيط الذي يضرب دون إنذار بارتفاع 30 مترًا!

المكان مُعتم. مصابيح فتيل الزيت المنتشرة في المكان لا تستطيع إنارة المكان بما يكفي، فقط بقع ضوء منتشرة هنا وهناك تسمح بتعرف رواد المكان على الاتجاهات وتمييز الساقي بينما ينتقل بين الطاولات الخشبية التي نخرها السوس. الرطوبة عالية كذلك، مع أن الجو بالخارج بارد إلى حد الصقيع؛ ربما لأن المكان مغلق بإحكام بلا تهوية أو لأنه يغرق في سحب من دخان كل ما يمكن حرقه واستنشاقه. هنا ترتكب كافة الموبقات بلا تحفظ … لا أحد يجب أن يقف في وجه مطالب البحّارة عقب العودة من رحلات الصيد الطويلة في المحيط.

ذلك المعتوه "دو أورفيل" يقول أنه لاقى أمواجًا بارتفاع 33 مترًا في رحلته الأخيرة! هل تصدق هذا؟!
لا أعلم يا رجل! دو أورفيل أدميرال بحر وعالم له وزنه! أبحرت معه من قبل وصدقني ليس من النوع الذي يؤثر البحر على عقله!
هراء! (يتجرع من كوبه المعدني، ويمسح الرغوة البيضاء عن لحيته الحمراء) المحيط موجود منذ أجداد أجداد الأجداد، ولم يخبرنا أي منهم من قبل بوجود مثل هذه الأمواج! في رأيي أن هذا مخطط منه لضرب رحلات الصيد في المحيط التي تنافس غزواته وحملاته لاستكشاف المزيد من الأراضي وضمها للتاج الفرنسي.
(يتابع بعينه في طمع الحسناء "سيسيل" التي رفضها أحدهم) لا تنس أن "دو أورفيل" لم يكن وحده وأن ثلاثة من مرافقيه قد صدّقوا على روايته مع أنه لا يحتاج إلى شهود في الواقع. الرجل يتمتع بثقة الملك نفسه!
ليس بعد أن سخر منه "فرانسوا أراجو" على الملأ! صدقني صارت أيام دو أورفيل معدودة.
هممم! (يشير بيده ويصيح في مرح) إلىّ هنا عزيزتي!

كانت هذه فرنسا في 1826؛ العام الذي أبلغ فيه القائد البحري والعالم الفنرسي الشهير جول دومون دو أورفيل Jules Dumont d’Urville عن مواجهته لامواج بارتفاع 108 قدم (33 مترًا) في رحلته الأخيرة مع ثلاثة من زملائه عبر المحيط الهندي. في ذلك العصر، كان من المعروف أنه لا يمكن لأي موجة أن يتعدى ارتفاعها 30 قدمًا فقط أو ما يعادل 9 أمتار تقريبًا؛ وهو ما دفع صديقه عالم الرياضيات والفلك الفرنسي فرانسوا أراجو François Arago إلى السخرية من دو أورفيل بشكل صريح وفي أكثر من مناسبة. لكن في الواقع، لم يسبق لأحد أن أبلغ عن أمواج عاتية بهذا الارتفاع من قبل لسبب آخر تمامًا … كل من كان يشهد تلك الأمواج لم يكن يعيش ليحكي عنها لاحقًا!

هكذا ظلت الأموج المارقة Rogue Waves، أو الأمواج القاتلة أو موجة الوحش كما يطلقون عليها أحيانًا، لقرون طويلة جزءً من حكايات وأساطير البحارة المخيفة عن المحيط بلا إثبات؛ إلى أن تم الاعتراف بها منذ عقود قليلة فقط وبشكل رسمي كظاهرة طبيعية حقيقية.

بشكل عام، فالأمواج المارقة هي تلك الأمواج التي يتعدى حجمها ضعف حجم الأمواج المحيطة، لكنها تتعدى هذا الحجم إلى مستويات مرعبة كما سنرى لاحقًا. والأكثر إثارة هنا فيما يتعلق بهذا النوع من الأمواج هو أنها لا يمكن التنبؤ بها على الإطلاق، وغالبًا ما تضرب من اتجاهات غير متوقعة تخالف اتجاه الريح السائدة واتجاه الأمواج الأخرى حتى! وتشير معظم التقارير إلى أن الأمواج المارقة تبدو لتعساء الحظ الذين يواجهونها كـ “حائط شاهق من المياه” بجوانب شديدة الانحدار وهوة مريعة عميقة أمامها تبتلع السفن!

يبدو هذا المشهد المخيف والذي لا يصدق أشبه بأمواج فيلم “بينجمي Interstellar” القاتلة التي ينقبض القلب لرؤيتها؛ لكن الأمواج المارقة تختلف عن الأمواج المدّية Tidal Waves وكذلك موجات تسونامي. أمواج Interstellar المدّية المهولة التي ترتفع لألف متر في الهواء هي نتيجة ظاهرة المد والجزر الشبيهة بمثيلاتها لدينا على الأرض جراء جاذبية القمر. فقط في الفيلم لم يكن هناك قمر بل ثقب أسود هائل بجاذبية مرعبة قادرة على خلق أمواج مدّية بهذا الحجم الأسطوري!

تم تسجيل أول موجة مارقة في تاريخنا الحديث ببحر الشمال قبالة ساحل النرويح بمنصة بترول دروبنر البحرية Draupner platform في الأول من يناير عام 1995؛ لهذا تسمى هذه الموجة بموجة دروبنر Draupner wave وكذلك بموجة العام الجديد New Year’s wave تيمنا بموقع وتاريخ رصدها. كانت مياه المحيط ثائرة يومها ويتراوح ارتفاعها 12 مترًا تقريبًا، عندما ظهرت بغتة موجة مارقة عملاقة بارتفاع جاوز 25 مترًا لتضرب المنصة بعنف بالغ.

أسمعك تقول “ها! في تلك الحادثة كانت لدينا أمواج كثيرة عاتية بارتفاع 12 مترًا! هل هذا يعني أنها جميعًا أمواج مارقة؟” والإجابة هي لا بالطبع! تذكر تعريف الموجة المارقة “تلك الأمواج التي يتعدى حجمها ضعف حجم الأمواج المحيطة”. هي لا تدعى مارقة Rogue عبثًا، فالمارق هو المنشق عن الجماعة والمعيار.

كيف ولماذا تظهر الأمواج المارقة؟

بما أن الأمواج المارقة لا يمكن التنبؤ بها، فلا عجب أن تكون القياسات والدراسات المتعلقة بها قليلة إلى حد الندرة. وعلى الرغم من أن كيفية ووقت ظهور الأمواج المارقة لا يزال لغزًا غير مكتمل الجوانب، إلا أن هناك بعض الأسباب المرجحة للغاية وراء ظهورها.

أحد هذه الأسباب هو ما يسمى يـ “تداخل الموجات البنّاء Constructive Interference”. التداخل أو التراكب Interference هي ظاهرة فيزيائية تحدث بين الموجات، فيحدث بينها تراكب أو تداخل نتيجة صدورهما من مصدر واحد أو تقاربهما في قيمة التردد. ويكون هذا التداخل إما تداخل هدام Destructive Interference أي أن الإشارة الأولى تدمر الأخرى وتوهنها، أو يمكن أن يكون تداخلًا بناءً Constructive Interference فتعزز الموجة الواحدة الأخرى ويشكلان معًا موجة ثالثة مضاعفة الطول. وكما هو واضح، فما نحتاج إليه هنا كي تنشأ موجة مارقة هو التداخل البنّاء. يعزز هذا التفسير سمة الظهور المفاجيء غير المتوقع للأمواج المارقة كون شرط تكونها يقتضي توافقًا مفاجئًا في التردد والسرعة والطول لموجتين أو أكثر فيتحدوا وينتجوا أمواجًا شاهقة لا تدوم طويلًا إلا إذا تشاركوا الاتجاه أيضًا، فحنيها قد تدوم الأمواج المارقة هنا لدقائق عديدة.

السبب الثاني الكفيل بخلق أمواجًا مارقة جبارة هو ما يسمى بـ “تركيز طاقة الموجة Focusing of wave energy” والتي تحدث كتأثير جانبي لعاصفة في تيار مائي باتجاه معاكس لاتجاه حركة الأمواج الطبيعية؛ حيث قد يتسبب هذا في انطلاق تأثير متبادل يقصّر من تردد الموجة ومن ثم تبدأ الأمواج في الاتحاد والاندماج في أمواج مارقة كبيرة للغاية. أحيانًا ما يتم رصد عدد من الأمواج المارقة التي تتكون لهذا السبب في تيارات بحرية معروفة مثل تيار الخليج Gulf Stream وتيار أجولهاس Agulhas current؛ حيث يتسم هذا النوع من الأمواج المارقة بأنه يدوم أطول بكثير.

رعب المحيط!

يكمن التهديد البالغ الذي تشكله الأمواج المارقة في كونها كما رأينا نادرة ولا يمكن توقعها حيث تظهر بلا إنذار لتضرب بقوة ساحقة. وللقياس، فالموجة التقليدية بارتفاع 12 مترًا تضرب بقوة لا يستهان بها تبلغ 6 طن لكل متر مربع t/m2 أو ما يعادل 8.5 رطل لكل بوصة مربعة psi؛ وعلى الرغم من أن السفن الحديثة مصممة لتحمل تكسر أمواج بقوة ضاربة 15 طن على المتر المربع أو ما يعادل 21 psi، إلا أن الأمواج المارقة يمكنها سحق تلك الأرقام بقوتها المهولة التي قد تصل إلى 100 طن على المتر المربع أو ما يعادل 140 psi! هكذا لا ينجو من الأمواج المارقة الكبيرة إلا عابرات المحيط ocean liners والتي قد لا تسلم منها هي الأخرى في بعض الحالات!

هذا لا يمنع أن يستغل محبي الرياضات الخطرة الأمر لتحقيق بعض المتعة القصوى! الأمواج المارقة هي حلم هواة ركوب الأمواج، ولحسن حظ أولئك المهاويس، فهناك بعض الأماكن حول العالم التي تقدم تجربة مخففة للأمواج المارقة المميتة التي تتواجد في قلب المحيط مثل ساحل الناصرة Nazaré في البرتغال حيث يقبع أخدود مهول تحت الماء يتسبب في تشكل أمواج مارقة مخيفة بارتفاع يتعدى 20 مترًا في بعض الأوقات!

قد لا تصدقوا أن الصورة السابقة حقيقية، لكنها كذلك دون أي تلاعب! وهي لأحد المتسابقين المشاركين في مسابقة Big Wave Tour الدولية السنوية التي كان لساحل الناصرة بالطبع نصيب متكرر باستضافتها!

الصورة المدهشة التالية التقطها نوتي معدية في مرفأ سيدني، استراليا. وكما ترون، فهناك موجة وحش عملاقة على وشك ضرب المعدية من الجانب الأيسر وابتلاعها على ما يبدو! يقول هيج جيلكرايست Haig Gilchrist، وهو النوتي الذي التقط الصورة، أن ارتفاع تلك الموجة كان لا يقل عن 6 أمتار.

مرة أخرى لا تعتقدوا أن هذه موجة بسيطة بعد تناولنا لأمواج بارتفاع أكبر بكثير، لأن مكمن خطورة الأمواج المارقة هو انشقاقها عن بقية الأمواج السائدة حولها. مع هذا، يبدو منظر هذه الموجة مرعبًا إلى أقصى حد.

وفي النهاية، وكما يقولون بأن أجمل الأطفال لم يولد بعد؛ فأطول الأمواج المارقة لم ترصدها كاميرا بشرية بعد! ربما واجهها أحدهم في أحد العواصف المهيبة بقلب المحيط فصرخ باسم ابنه أو تضرع إلى الله أن تمر تلك اللحظات سريعًا بلا ألم. لكن هذا سيبقى بعيدًا عن إمكانية تصوره أو تخيله …. حتى لدينا هنا في عالم الإبداع!

 

مراجع: 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

السيناريو في بداية المقال من خيال كاتب المقال، وإن كان يشير إلى واقعة تاريخية مسجلة!

رابط المقال الأصلي: الأمواج المارقة: رعب المحيط الذي يضرب دون إنذار بارتفاع 30 مترًا!.

عالم الإبداع: http://www.ibda3world.com

هذه التدوينة تحتوي علي بدون تعليقات

إضافة رد